ابن تيمية
109
مجموعة الفتاوى
جِنْسِ الْأَسْفَارِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا : يُوجِبُونَ الْقَصْرَ فِي كُلِّ سَفَرٍ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّماً كَمَا يُوجِبُ الْجَمِيعُ التَّيَمُّمَ إذَا عُدِمَ الْمَاءُ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ وَابْنُ عَقِيلٍ رَجَّحَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ . وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ جَعَلَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ مَشْرُوعاً فِي جِنْسِ السَّفَرِ وَلَمْ يَخُصَّ سَفَراً مِن سَفَرٍ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ أَطْلَقَا السَّفَرَ قَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ } كَمَا قَالَ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } الْآيَةَ وَكَمَا تَقَدَّمَتْ النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَنْقُلْ قَطُّ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَصَّ سَفَراً مِن سَفَرٍ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ السَّفَرَ يَكُونُ حَرَاماً وَمُبَاحاً وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن السَّفَرِ لَكَانَ بَيَانُ هَذَا مِن الْوَاجِبَاتِ وَلَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لَنَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ وَمَا عَلِمْت عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ شَيْئاً . وَقَدْ عَلَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحْكَاماً بِالسَّفَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } وَقَوْلُهُ فِي الصَّوْمِ : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ } وَقَوْلُهُ { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ } وَقَوْلُهُ